نذير حمدان
93
حكمة القرآن والحضارة
يحكم في الشّرك ( الأنعام 136 ) ولا في تبرير وأد البنت ( النحل 59 ) ولا في التصور العاجز لإفلات المسئ من العقوبة ( العنكبوت 4 ) ولا في التصور الظالم الخاطئ في مساواة المحسن بالمسيء ( الجاثية 21 ) فإن التصورات والمسائل التشريعية الحكيمة تنبثق من اللّه الحكيم فله وحده الحكم ( القصص 20 ) وهو الحكم الإسلامي الذي يتساوى الناس فيه ، أما الجاهلي فهو القائم على الرغبات الخاصة والأهواء المنحرفة أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ( المائدة 50 ) يتحاكمون فيه إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ( النساء 60 ) . فليس ذلك من الحكمة في شيء ، إذ أيّة حكمة في قلب الشر إلى خير والرذيلة إلى فضيلة والانحراف إلى استقامة ؟ إن من صفات ( السيادة ) في الحكم الفهم والعلم وممارسة الحكمة . والفجور في الخصومة يتنافى والحكمة ، وهو من أمارات النفاق كما اشتهر في الصحيح ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أيضا : أبغض الرّجال إلى اللّه الألدّ الخصم « 1 » . وذكر البخاري في باب الاغتباط في العلم حكمة قول عمر : تفقهوا قبل أن تسوّدوا ، وقال أبو عبد اللّه أي ( البخاري ) : وبعد أن تسوّدوا ، وقد تعلّم أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم في كبر سنهم « 2 » كما ذكر في باب أجر من قضى بالحكمة « 3 » حديث الغبطة السابق . إن استيعاب الحكم جميع الناس بداية من الفرد ومرورا بالأسرة والمجتمع إلى رجال السياسة يقتضى أن نفهم أنّ تسييس الفعاليات ينبغي أن يكون بالحكمة وفي إطار الحكمة . وهذا الاستيعاب وإن بدا مبتكرا في أفق السياسة المحدود بمفهومه اليوم فإنه يعني تطورا حضاريا لا مثيل له بحيث لا يحتكرها فرد أو فئة وإنما هي للأمة بأسرها ليس ذلك على سبيل الإعلام الغائي وإنما هو على سبيل التطبيق ، وصدق رسول اللّه ( فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن
--> ( 1 ) البخاري : أحكام ( 7188 ) ، والألد : المنحرف ، والخصم : كثير الخصومة . ونقل صاحب الفتح قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم . كفى بك إثما ألا تزال مخاصما ، رواه الطبراني بسند ضعيف وله ما يقويه . ( 2 ) البخاري ( 73 ) وتسودوا : تجعلوا سادة . ( 3 ) . 13 / 120 بشرح الفتح ورقمه ( 7141 ) تقدم .